إن مفهوم السعادة في معناه الشامل ظل يؤرق المفكرين والفلاسفة منذ القدم ، فأفلاطون يعتبر السعادة في مجملها هي الخير فلايمكن أن تكون السعادة في الشر بينما يرى أريسطو أن السعادة هي الفضيلة ليبقى الجدل عند الفلاسفة الذين أضفوا البعد الأخلاقي على المفهوم فتعددت النظريات والكتابات ،ومن ضمنها كتاب أبي حامد الغزالي الطوسي النيسابوري العالم الفقيه الألمعي الأشعري المتوفى سنة 505 ه ، والذي تناول فيه مفهوم السعادة من منظور ديني معتبرا أن التدين هو مصدر السعادة وهو الموجه لها ،كتاب لم يلقى نصيبا من الشهرة عكس بعض كتبه ، وسماه كيمياء السعادة وهو كتاب في مجلدين يتناول مفهوم السعادة بالشرح والتفصيل موزعا على إثنتي وعشرين بابا تتمركز حول مفهوم النفس والقلب وكذا الأخلاق الفاضلة والرذيلة وكذا طبيعة الجسد الفيزيولوجية ، ويعتبر هذا الكتاب ترجمة لمؤلفه الفارسي والذي عمل على ترجمته من الفارسية إلى العربية وكان يحمل عنوان (كيميائي سعادتي) ويرى كثير من المهتمين بالفكر الإسلامي أن كتاب كيمياء السعادة كان مقدمة لكتابه الشهير إحياء علوم الدين
السعادة عند الإمام أبوحامد الغزالي
فالسعادة عند أبي حامد الغزالي مبنية على معرفة النفس ومعرفة النفس تصير عن طريق معرفة الله مستندا لقوله تعالى * سنريهم آياتنا في أنفسهم وفي الآفاق * فقدم معرفة النفس على القلب باعتباره عسكرا من العساكر ، حسب تعبير أبي حامد الغزالي ، كما ان صفاء النفس والقلب والذين يعتبرهما ذو طبيعة ربانية هما الأصل ، لأن الأصل هو الخلق على الفطرة والفطرة في الأصل هبة ربانية ..وكلما صقلت النفس والقلب يزول عنهما الشوائب باعتبارهما منبع الإحساس بالصفاء ومستقره وهو ما ينعكس على السلوك وممارسة الأخلاق الفاضلة بسعادة غامرة فتكون ممارسة الفضيلة والخلق الحسن هي قمة السعادة عند الإنسان الذي يعرف الله في نفسه ويجلي الصدأ عن قلبه بينما سعادة الشياطين تتجلى في ممارسة الخلق الرذيلة والفتن و الشرور ، موضحا الفرق بين سعادة الأخيار وسعادة الأشرار
الغزالي و الفكر الصوفي
يقترب الإمام الغزالي في تعريفه للسعادة من مفاهيم الصوفية في التربية وتزكية النفوس كمقام من مقامات الإحسان وذالك راجع لإحتكاكه في أسفاره من بغداد والذي كان يشتغل بها كمدرس لعلم اللاهوت إلى الشام ثم بيت المقدس حيث إختلط بالرهبان ودراويش الصوفية في طريقه للبحث عن حقيقة النفوس الغامضة والتي لا تدرك إلا عن طريق التجربة والمجاهدة ،وأضطلع على تصنيفات المحاسبي وأقوال الجنيد ومأثوراته وحضر مجلس الشيخ ابي الفضل الفرمدي الذي أخذ عنه العهد والطريقة التي استقر على منهجها حتى وفاته ،وهي مرحلة عرف فيها بأن دراويش الصوفية تكمن سعادتهم في الرقص الصوفي عندما يعلو إدراكهم ويتجاوز واقعهم ويتناثر ليفقدوا ذاك الإحساس بالواقع ويتيهوا في عوالم ووقائع حيث تسبح النفوس في ملكوت الخلق وبحر الوجود ،فيعتبر أن سعادة المواطن العادي تكون كبيرة عندما يستقبله ملك أو وزير ويدخله إلى مجلسه وحضرته فكيف تقارنها بسعادة الدراويش في حضرة الرحمان او حضرة الملائكة والنبئين ويقول الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال أن سعادة الآخرة لا تكتمل إلا بالخلوة والعزلة والإجتهاد في محبة الله حتى تزداد المكاشفة باستعمال القلب في معرفة الحقائق ،وهو ما يتماشى مع مباديء تزكية النفوس وتطهير القلوب ليحل الصفاء محل الكدر بعد ان يطرده ويمتلأ بالأنوار التي تكسر عتمة الظلمة مما يجعل الجسد أداة طبعة تستغل جوارحها في خدمة الفضيلة تقربا من الله ومحبة فيه


جيد
ردحذف